السيد محمد حسين فضل الله
134
من وحي القرآن
منبثق منه ومنطلق عنه . أما الملائكة ، فهم الذين يحملون العذاب عندما يصدرون به عن أمر اللّه . هل ينظرون إلا أن يأتيهم العذاب ؟ ! فإذا كانت هذه هي رغبتهم وتفكيرهم ، فهل يعرفون النتيجة ؟ هل يعتقدون أن إتيان اللّه والملائكة في ظلل من الغمام - كما يتصورون - يترك مجالا للانتظار وللمراجعة ؟ هل يعرفون أن معنى حدوث ذلك هو وصول الأمر إلى درجة الحسم النهائي الذي لا رجعة فيه ؟ . وَقُضِيَ الْأَمْرُ أي فرغ منه ، وهو المحاسبة وإنزال أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار ، وقيل : معناه وجب العذاب ، أي : عذاب الاستئصال ، وهذا في الدنيا ، كما في مجمع البيان « 1 » . وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ في الثواب أو في العقاب ، كما كانت الأمور كلها إليه في الابتداء ، لأنه المهيمن على الأمر كله في الدنيا والآخرة . وقد نستوحي من هذه الفقرات المثيرة في الآية ، أن القرآن يريد أن يثير أجواء الخوف في داخلهم من خلال هذا التساؤل : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ . جاء في تفسير الكشاف : « فإن قلت : لم يأتيهم العذاب في الغمام ؟ قلت : لأن الغمام مظنة الرحمة ، فإذا نزل منه العذاب كان الأمر أفظع وأهول ؛ لأن الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أغمّ ، كما أن الخير إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أسرّ ، فكيف إذا جاء الشر من حيث يحتسب الخير ؟ ! ولذلك كانت الصاعقة من العذاب المستفظع لمجيئها من حيث يتوقع الغيث . ومن ثمة اشتد على المتفكرين في كتاب اللّه قوله تعالى : وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ » « 2 » [ الزمر : 47 ] .
--> ( 1 ) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 539 . ( 2 ) تفسير الكشاف ، ج : 1 ، ص : 353 .